المقريزي
449
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
واطمأنّوا إليه لطمعهم في تملّك بلاد الرّوم . فلما تهيأ أمر ابن عثمان سار في شهر رمضان من استنبول ، وعزمه أن يردّ تيمور عن الدّخول إلى بلاده ، وأنّه يلقاه على ضواحي سيواس ، فسلك في مسيره إليه غير الطريق الجادة ، فخالفه تيمور في الطريق وسلك الجادة وهي ذات خصب ودعة ، فلم يشعر ابن عثمان إلا وتيمور ينهب بلاده ويسبي أهلها ، فكاد يموت غيظا ، ورجع من طريقه فجدّ في مسيره وهو في أرض مجدبة ، فلم يدرك تيمور إلا وقد جهده وعساكره ووهنهم الجهد ، وقد نزل تيمور أنقرة ، وهو وجميع عساكره في راحة ودعة وعيش رغيد وماء كثير ، ونزل ابن عثمان على غير ماء فكادت عساكره تهلك عطشا . فلما تراءى الجمعان واصطفا للحرب كان أول شيء نزل بابن عثمان من البلاء أن خامرت التّبار عليه بقضّها وقضيضها ولحقوا بتيمور ، ففتّ ذلك في عضده . ثم تلاهم الأمير سلمان ، وهو أكبر أولاد أبي يزيد ، ومضى عن أبيه ببقية الجيش يريد مدينة برصا دار ملكهم ، وذلك أنه لما رأى التّبار خامروا وهم معظم جيشهم ، حتى يقال إنّهم كانوا نحو ثلثي عسكر ابن عثمان ، علم بزوال أمر أبيه ، فتحيّز بمن بقي من العسكر يريد النجاة ، فلم يبق مع أبي يزيد سوى المشاة ، وقليل من الفرسان لا يبلغ مجموعهم خمسة آلاف ، فثبت وثبتوا حتى أحاطت بهم التّمريّة ، فصدفوا بالضرب بالأطبار والمشايحة في السيوف إلى أن أفنوا أمثالهم ، هذا وسهام التّمرية ترشقهم إلى أن صاروا كالقنافذ . واستمر القتال بين الفريقين من ضحوة نهار الأربعاء سابع عشري ذي الحجة سنة أربع وثماني مائة إلى وقت العصر ، فكلّت أصحاب أبي يزيد ، وكثرت عليهم عساكر تيمور وقد ضاق عنهم الفضاء ، يدقّونهم بسيوفهم ويطعنوهم برماحهم ، وهم يدافعون القوم عن أنفسهم ، حتى صرعوا بأجمعهم . وأخذ أبو يزيد قبضا باليد ، على نحو ميل من مدينة أنقرة ، وقد هلك غالب من كان في عسكره من العطش ، فإنّ الوقت وافقه ثامن عشري تموز .